الشيخ محمد آصف المحسني

57

بحوث في علم الرجال

أين نعلم خلوّ توثيقاته من أعمال الحدس ، فمثلا : من أين نعلم أنّ الشّيخ لم يقبل قول النقلة المجهولين في بيان التّوثيقات اعتمادا على أصالة العدالة ، كما نسبت إليه فيما سبق ؟ ومن أين نفهم أنّه لم يوثّق الّذين روي عنهم ابن أبي عمير وصفوان والبزنطي ؟ وقد صرّح في محكي عدّته بأنّ هؤلاء الثّلاثة لا يرون ولا يرسلون إلّا عمّن يثقون به ، فالشيخ يعامل مع من روي عنهم هؤلاء الثلاثة وغيرهم ، معاملة الثقات اعتقادا منه بأنّ رواية أحد هؤلاء عن شخص بمنزلة قوله في حقّه أنّه ثقة ، فلا منافاة بين توثيق الشّيخ لمثل هذا الرّاوي وبين قوله السّابق في الفهرست والعدّة أصلا . ومن أين نعتقد أنّ الشّيخ لم يقبل قول المعدلين والموثّقين المجهولين في توثيقاتهم ، أو قول ناقلي التوثيقات المجهولين بواسطة القرائن الحدسية ؟ فإن قلت : سلّمنا ذلك ، لكن يدور الأمر في وثاقة كلّ راو بين كونها حسيّة أو حدسيّة ، وبناء العقلاء في ذلك على حملها على الأوّل . قلت : نعم ، لولا العلم الإجمالي بوجود توثيقات ناشئة عن الحدس استنادا إلى تصريح نفس الشّيخ ، كما أشرنا إليه ويأتي مفصّلا . على أنّ النقض بمثل مرسلات الصّدوق وغيره فيما إذا قالوا : قال الصّادق عليه السّلام كذا باق بحاله ، إذا الفاضل المتدين - فضلا عن مثل الأعاظم ورؤساء المذهب كالكليني والمفيد ، والشّيخ والصّدوق والصفار ومن يحذو حذوهم - كيف ينسب قولا إلى الصّادق وهو يعلم بعدم صحّة النسبة أو يشك في صحتها ؟ فلا بدّ من البناء على صحّة المرسلات مع أنّهم لا يقبلون مطلق المرسلات . « 1 »

--> ( 1 ) . وقد يدّعي بعض المشتاقين إلى التّوثيق أنّ الفرق بين إرسال التّوثيق وإرسال الرّواية ، واضح عند التأمّل ، فإنّ إرسال مثل الشّيخ والنجاشي إنّما يكون بعد سماعهم عن مشايخهم ، جميعهم أو أكثرهم بحيث يحصل لهم العلم الوجداني أو التعبّدي بذلك ، فيوجب العلم بأنّ الوسائط ثقات . ولو كان لديهم أدنى شكّ أو اختلاف لنسبوا ما ذكروه إلى الشّخص الّذي نقلوا عنه ، فكيف يقاس ذلك بالإرسال في الرّواية ؟ فإنّ الإرسال فيها غير موجب للعلم بوثاقة من أرسل عنهم . أقول : ما ادّعاه مجرّد توهّم لا واقعية له ؛ إذ يمكن اعتمادهما في التّوثيق على كتاب واحد أو شخص واحد ضعيف أو مجهول ، حصل لهم الظّن بالصدق كابن النديم وابن بطّة وأبي المفضل والعقيقي كما اعترف هذا القائل به في حقّ النجّاشي قبل ادّعائه هذا بأسطر ، فكيف علم أنّ الشّيخ أو النجّاشي ينقل التّوثيقات والتضعيفات في جميع الموارد عن جميع مشائخه أو أكثرهم ؟ على أن النقض بالروايات المرسلة باق ولم يقدر على بيان وجه الفرق .